النويري

34

نهاية الأرب في فنون الأدب

ثم حمل آدم هابيل على عاتقه وهو باك ، ثم دفنه ، وبكى عليه هو وحوّاء أربعين يوما ، فأوحى اللَّه تعالى إليه أن كفّ عن بكائك ، فإنّى سأهب لك غلاما زكيّا على صورة هابيل يكون أبا النبييّن والمرسلين . فسرّى عنه ، وجامع حوّاء فحملت بشيث واسمه ( هبة اللَّه ) فلمّا وضعته كان على صفة هابيل وصورته ؛ فلمّا ترعرع وبلغ بعث اللَّه تعالى له قضيبا من سدرة المنتهى في صفاء الجوهر ، ورزق اللَّه شيئا الأولاد في حياة آدم ؛ واللَّه أعلم . ذكر وفاة آدم - عليه السلام - قال : وكان آدم لمّا أخرج اللَّه تعالى الذريّة من ظهره رأى داود - عليه السلام - وحسن صورته ، فسأل عنه وعمّا رزقه اللَّه تعالى من العمر ؛ فقيل له : إنه نبىّ اللَّه داود ، وإن عمره الذي كتب اللَّه له أربعون سنة . فقال : يا ربّ زد في عمره . قال : ذلك الذي كتبت له . فقال : يا ربّ فإنّى قد وهبته من عمرى ستّين سنة . فلمّا انقضى من عمره تسعمائة سنة وأربعون سنة أتاه ملك الموت ، فقال له آدم : قد عجلت علىّ ، لأنّ ربّى كتب لي ألف سنة . قال : ألم تهب منها لولدك داود ستّين سنة ؟ قال : لا . قال : فجحد آدم وجحدت ذرّيته من بعده ، ونسي فنسيت . وقيل في عمر داود : ستون سنة ، وإن آدم وهبه أربعين سنة ؛ واللَّه أعلم . فلما استكمل عدّته أمر اللَّه بقبض روحه ، فعهد إلى ابنه شيث وأوصاه ، وسلَّم إليه التابوت ، وكان فيه نمط من الجنّة أبيض أهداه اللَّه تعالى لآدم ، فيه صور الأنبياء والفراعنة من ذرّيّته ؛ فنشر آدم النّمط وأراه لابنه شيث ، فنظر إليه ، ثم أمر بطيّه ووضعه في التابوت ؛ وعمد آدم إلى طاقات من شعر لحيته فوضعها في التابوت وقال له : يا بنىّ ، إنك لا تزال مظفّرا على أعدائك ما دامت هذه الشعرات سودا